٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ • 10 أكتوبر 2026
main menu ad

المسؤولية الاجتماعية في الشركات اللوجستية السعودية: من صناعة النقل إلى صناعة الأثر، شركة البحري أنموذجًا

تقرير | حين نشاهد ناقلة عملاقة تعبر البحر، نفكر غالبًا في حمولتها ووجهتها والمسافة التي ستقطعها. لكن وراء هذه الرحلة حكاية أخرى؛ حكاية العامل الذي ينتظر العودة سالمًا إلى أسرته، والشاب الذي يبحث عن فرصة في القطاع البحري، والبيئة التي ينبغي أن تبقى آمنة بعد مرور السفينة. هنا يبدأ المعنى الأوسع للمسؤولية الاجتماعية في الشركات اللوجستية: أن تصل البضائع إلى وجهتها، وأن تترك الرحلة أثرًا طيبًا في حياة الناس.

وتتيح تجربة شركة البحري، كما يعرضها تقريرها السنوي لعام 2025، الاقتراب من هذا المعنى. فالشركة تضع حماية البيئة، وتنمية المواهب، وخلق القيمة، والعمل بنزاهة ضمن إطار واحد للاستدامة.

ويمكن قراءة هذا التوجه بوصفه محاولة لجعل المسؤولية جزءًا من العمل اليومي؛ في طريقة تشغيل السفن، وتدريب الموظفين، واختيار الموردين، وخدمة المجتمع.

ولعل البحر هو البداية الطبيعية لهذه المسؤولية. فهو مجال عمل الشركة، وبيئة حية تتأثر بما يجري فوق مياهه وفي أعماقه.

وبحسب التقرير، حافظت البحري خلال عام 2025 على سجل خالٍ من التسربات النفطية للعام الثالث على التوالي، وشملت أنظمة معالجة مياه الاتزان جميع ناقلاتها المملوكة. وتساعد هذه الأنظمة على الحد من انتقال الكائنات الضارة بين البيئات البحرية مع المياه التي تستخدمها السفن للحفاظ على توازنها.

قد تبدو هذه التفاصيل بعيدة عن الحياة اليومية، لكن معناها قريب وواضح: الوقاية من التلوث، وحماية الكائنات البحرية، وتقليل الأضرار التي قد تمتد إلى السواحل ومصادر الرزق المرتبطة بها. فجانب مهم من المسؤولية يتحقق في الضرر الذي تنجح الشركة في منعه قبل وقوعه.

ومع ذلك، فإن الطريق إلى أداء بيئي أفضل ما زال يتطلب عملًا متواصلًا. فقد سجل التقرير ارتفاعًا في استهلاك الوقود والانبعاثات لكل ميل بحري مقارنة بالعام السابق، رغم مبادرات تحسين الكفاءة. وهذه نقطة مهمة لفهم التجربة بتوازن؛ فوجود برامج للاستدامة لا يعني أن جميع المؤشرات تتحسن بالسرعة نفسها.

وتذكر الشركة أنها تعمل على تحسين مسارات الرحلات، وصيانة السفن، ومراقبة أدائها، بما يساعد على إدارة الوقود والانبعاثات بكفاءة أكبر.

ومن حماية البحر إلى حماية الإنسان، تظهر المسؤولية في قرارات قد تبدو صغيرة، لكنها بالغة الأهمية. من ذلك منح العامل صلاحية إيقاف العمل عند ملاحظة خطر، وإتاحة الإبلاغ عن الحوادث الوشيكة دون الكشف عن هويته. فالعامل الذي يستطيع التنبيه إلى الخطر والمشاركة في منعه يصبح شريكًا في سلامة المكان.

ويشير تقرير البحري إلى خلو سجلها من الوفيات خلال عامي 2024 و2025، وإلى انخفاض معدل إصابات الوقت الضائع من 0.42 إلى 0.18 حادث لكل مليون ساعة عمل. وخلف هذه الأرقام معنى إنساني يتجاوز لغة التقارير: إصابات أقل، وبيئة عمل أكثر أمانًا، وفرصة أكبر لعودة العاملين إلى أسرهم سالمين.

وتتسع العناية بالإنسان لتشمل مستقبله المهني. فالشركة تعرض برامج تدريب وتطوير للعاملين في البحر والمكاتب، ومسارات تساعد الطواقم البحرية على اكتساب المهارات والشهادات اللازمة للتقدم في أعمالها. وقد بلغ عدد موظفيها بدوام كامل 894 موظفًا في عام 2025، وشكل السعوديون 47% من إجمالي موظفيها بدوام كامل على مستوى العالم، فيما بلغت مشاركة النساء 22%.

وتفتح هذه البيانات بابًا للنظر إلى دور الشركات اللوجستية في بناء الخبرات الوطنية. فالقطاع يحتاج إلى من يدير العمليات، ويحلل البيانات، ويطور الخدمات، ويتعامل مع تقنيات السفن الحديثة. ومن هنا، يمكن أن تمتد قيمة التدريب إلى سنوات طويلة، حين يمنح شابًا بداية مهنية جيدة، أو يساعد موظفًا على تحمل مسؤولية أكبر. ويظل المعيار الأهم هو ما يضيفه التدريب إلى قدرات الناس وفرصهم.

ويبرز هذا المعنى أيضًا في الاستثمار المجتمعي. فقد خصصت البحري، وفق تقريرها، 16 مليون ريال لبرامج تطوير الطلاب ورعاية الأنشطة المجتمعية خلال عام 2025. وشملت هذه الجهود المنح الدراسية، والتدريب المهني والتعاوني، وبناء قدرات الطلاب والمهنيين الشباب، إلى جانب دعم مبادرات وفعاليات اجتماعية.

وتكمن أهمية هذا التوجه في قربه من احتياجات المستقبل. فإتاحة فرصة للتعلم والتدريب قد تكون بداية لمسار مهني كامل. ومن هذه الزاوية، يبدو الاستثمار في المعرفة والمهارة أحد أكثر الأبواب قدرة على وصل نجاح الشركة بتقدم المجتمع. أما تقدير أثره الحقيقي، فيتضح مع الوقت من خلال ما يحققه المستفيدون من تطور وفرص عمل.
وللتقنية مكان في هذه الحكاية كذلك.

يوضح التقرير أن البحري تستخدم البيانات والذكاء الاصطناعي لمتابعة أداء السفن، ودعم الصيانة المبكرة، وتحسين استهلاك الوقود وتخطيط الرحلات.

ويمكن فهم قيمة هذه الأدوات من نتائجها العملية: اكتشاف العطل قبل تفاقمه، وتقليل التوقف المفاجئ، ومساعدة العاملين على اتخاذ قرارات أكثر دقة. هكذا تلتقي الكفاءة التشغيلية مع السلامة وحماية البيئة.

لكن الأثر الإيجابي يحتاج أيضًا إلى ثقة تحميه. ولهذا يكتسب محور النزاهة أهميته في تجربة البحري. فالتقرير يذكر التزام الشركة بحقوق الإنسان، ورفض عمالة الأطفال والعمل الجبري، وإلزام الموردين بقواعد للسلوك المسؤول. وخلال عام 2025، راجعت الشركة 20 موردًا، وأنهت ثلاثة عقود بسبب عدم الالتزام.

ويحمل ذلك دلالة واضحة: مسؤولية الشركة تمتد إلى الشركاء الذين تختار العمل معهم. فالمعايير الأخلاقية تكتسب وزنها حين تؤثر في القرار، وحين يكون الالتزام بها شرطًا لاستمرار العلاقة التجارية. وتدعم هذا النهج قنوات للإبلاغ عن المخالفات تحافظ على السرية وتحظر الانتقام من المبلغين.

تقدم البحري، من خلال ما تفصح عنه، تجربة تستحق التأمل في معنى المسؤولية الاجتماعية داخل القطاع اللوجستي السعودي؛ تجربة فيها إنجازات ملموسة، وفيها مجالات تحتاج إلى مزيد من التحسن. ولعل أهم ما تدعونا إليه هو توسيع نظرتنا إلى رحلة النقل: أن نرى إلى جانب الحمولة إنسانًا ينبغي حمايته، وبيئة تستحق العناية، وفرصة يمكن أن تغير مستقبل شاب.

عندها يصبح الوصول إلى الميناء جزءًا من النجاح، وتكتمل قيمته بما تتركه الرحلة من أثر.

النافذة اللوجستية

Facebook
Twitter
LinkedIn
Telegram
WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

before footer 1
before footer 2

الإشتراك في النشرة البريدية