٨ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ • 19 أكتوبر 2026
main menu ad

اقتصاد السفينة.. كيف تتحول مصر من تحصيل رسوم العبور إلى تعظيم العائد من كل سفينة؟

مقال | لم تعد المنافسة في التجارة البحرية العالمية تقتصر على امتلاك ممر ملاحي استراتيجي أو القدرة على استقبال السفن العملاقة، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على تحويل حركة السفن والبضائع إلى قيمة اقتصادية متكاملة.

ومن هنا تبرز فكرة «اقتصاد السفينة»، التي تقوم على النظر إلى السفينة باعتبارها فرصة اقتصادية تتجاوز رسوم العبور، لتشمل الخدمات البحرية واللوجستية والصيانة والتموين والتخزين والتصنيع وإعادة التصدير.

فالسؤال لم يعد فقط: كم سفينة تعبر مصر؟ وإنما: كم قيمة اقتصادية تستطيع مصر أن تحققها من كل سفينة؟

من العبور إلى القيمة المضافة

تمتلك مصر مقومات مهمة لبناء هذا النموذج، في مقدمتها قناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية وشبكات النقل. لكن تعظيم العائد يتطلب ربط هذه العناصر داخل منظومة واحدة، تتيح الاستفادة من السفينة والبضائع التي تحملها والخدمات التي تحتاج إليها.

فالسفينة تحتاج إلى خدمات الإرشاد والقطر والتموين والصيانة والإصلاح، بينما تحتاج البضائع إلى التداول والتخزين والنقل، وقد تمتد الاستفادة إلى التعبئة والتجميع والتصنيع وإعادة التصدير.

وكلما زادت قدرة الشركات المصرية على تقديم هذه الخدمات، ارتفعت فرص الاحتفاظ بجزء أكبر من الإنفاق المرتبط بالرحلة البحرية داخل الاقتصاد المحلي.

الميناء ليس مجرد رصيف

لم يعد دور الميناء مقتصرا على استقبال السفن وتداول الحاويات، بل أصبح مرتبطا بقدرته على جذب الأنشطة الصناعية واللوجستية المحيطة به.

فالبضاعة التي تصل إلى ميناء مصري يمكن أن تتحول إلى فرصة للتخزين والتوزيع والتصنيع والتصدير، بدلا من الاكتفاء بنقلها إلى وسيلة مواصلات أخرى.

وهنا تظهر أهمية الظهير الصناعي واللوجستي للموانئ، والربط بينها وبين الطرق والسكك الحديدية والموانئ الجافة، بما يتيح تحويل حركة البضائع إلى فرص إنتاج واستثمار وتشغيل.

وبذلك لا تستفيد مصر من السفينة وحدها، وإنما من الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ حول حمولتها.

الخدمات البحرية والأسطول المصري

يتطلب اقتصاد السفينة تطوير قاعدة من الشركات المتخصصة في الصيانة والإصلاح والتموين والخدمات الفنية والملاحية، إلى جانب تعزيز قدرات الترسانات وتدريب الكوادر البحرية والفنية.

كما يمثل تطوير الأسطول التجاري المصري جزءا من هذه المعادلة، لأنه يدعم الطلب على الخدمات البحرية واللوجستية، ويعزز قدرة مصر على المشاركة في أنشطة النقل والتشغيل البحري، وليس فقط تقديم الخدمات للسفن الأجنبية.

والهدف هو بناء منظومة بحرية متكاملة تستطيع المنافسة من حيث جودة الخدمة والتكلفة وسرعة الإنجاز.

الرقمنة تختصر الوقت والتكلفة

لا تتحدد تنافسية الموانئ بعمق الأرصفة أو معدات المناولة فقط، بل تتأثر أيضا بزمن انتظار السفن، وسرعة الإجراءات، وكفاءة تداول البضائع وخروجها من الميناء.

لذلك، يمثل الربط الرقمي بين الجهات العاملة بالموانئ، وتبادل البيانات، وتطوير أنظمة مجتمع الميناء، أدوات اقتصادية تساعد على تقليل التأخير والتكاليف وتحسين كفاءة التشغيل.

فكلما انخفض الوقت الذي تقضيه السفينة والبضاعة داخل الميناء دون ضرورة تشغيلية، زادت قدرة الميناء على جذب الخطوط الملاحية وتعزيز تنافسيته.

كيف يتحول المفهوم إلى مشروع عملي؟

يمكن البدء بتطبيق تجريبي في ميناء الإسكندرية لقياس العائد الاقتصادي من دورة تشغيل السفينة، منذ وصولها وحتى مغادرتها، مع رصد الخدمات التي تحصل عليها، وأزمنة الانتظار، وتكاليف التأخير، وحركة البضائع حتى خروجها من الميناء.

ويشمل القياس حجم الخدمات التي تقدمها الشركات المحلية، وفرص التوسع في الصيانة والتموين والتخزين والنقل، والقيمة المضافة التي يمكن الاحتفاظ بها داخل الاقتصاد المصري.

ويساعد هذا النموذج على تحديد نقاط التعطل، وتقييم كفاءة الخدمات، ووضع مؤشرات عملية لتطوير الأداء، قبل التوسع في تطبيقه بموانئ أخرى وفقا لطبيعة كل ميناء.

مصر.. من اقتصاد العبور إلى اقتصاد السفينة

إن تعظيم العائد من النقل البحري لا يعني الاستغناء عن رسوم عبور قناة السويس، وإنما البناء عليها من خلال توسيع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسفن والبضائع.

فالقناة تمثل نقطة قوة استراتيجية، لكن القيمة الأكبر يمكن أن تتولد من تكاملها مع الموانئ والخدمات البحرية والمناطق الصناعية واللوجستية وشبكات النقل.

ومن هنا، يصبح «اقتصاد السفينة» رؤية لتوسيع العائد الاقتصادي من الموقع البحري المصري، وتحويل حركة التجارة إلى فرص للاستثمار والإنتاج والتشغيل.

وفي النهاية، لا يتوقف التحدي عند عدد السفن التي تمر عبر مصر، بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كم قيمة اقتصادية تستطيع مصر أن تصنعها من كل سفينة، وكم فرصة يمكن أن تنشأ حول رحلتها؟

بقلم: الباحثة نوران الرجال

باحثة ومحللة في لوجستيات الطاقة والبترول، ومدير عام العربي للأبحاث البحرية، وعضو لجنة النقل البحري بالجمعية العمومية العلمية للنقل، وعضو لجنة النقل واللوجستيات بالملتقى البحري بالمرأة.

النافذة اللوجستية

Facebook
Twitter
LinkedIn
Telegram
WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

before footer 1
before footer 2

الإشتراك في النشرة البريدية