
مقال |لم تعد المخاطر التي تواجه القطاع البحري تقتصر على الأعطال الفنية أو الظروف المناخية أو الأخطاء التشغيلية، بل أصبحت المخاطر الأمنية والجيوسياسية عاملًا مؤثرًا في سلامة الأرواح، واستمرارية العمليات، وكفاءة سلاسل الإمداد.
وقد أعادت الحوادث البحرية الأخيرة في المنطقة، وما نتج عن بعضها من خسائر بشرية ومادية، التأكيد على حقيقة مهمة: الأمن والسلامة البحرية لم يعودا مجرد إجراءات تشغيلية، بل أصبحا جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الأرواح واستمرارية الأعمال والأمن الاقتصادي.
وراء كل سفينة وناقلة وشحنة أفراد يعملون في بيئات قد تتغير فيها المخاطر خلال دقائق، ولذلك يجب أن تظل حماية الإنسان الهدف الأول لأي منظومة بحرية.
الأمن والسلامة وسلاسل الإمداد.. منظومة واحدة
في البيئات البحرية عالية المخاطر، لا يمكن فصل الأمن عن السلامة، أو إدارة الأزمات والكوارث البحرية عن العمليات وسلاسل الإمداد.
فالحادث البحري، سواء كان ناتجًا عن عامل أمني أو تشغيلي أو بيئي، قد يتحول خلال دقائق إلى حالة طوارئ تتطلب الإخلاء والإنقاذ والاستجابة الطبية وإدارة الاتصال، وقد يستدعي في الوقت نفسه تغيير المسار الملاحي أو تفعيل بدائل لوجستية لضمان استمرار الإمدادات.
لذلك لم يعد كافيًا أن تمتلك المؤسسة خطة للاستجابة للحوادث، بل يجب أن تمتلك القدرة على استشراف المخاطر، والاستعداد للسيناريوهات، وإدارة الأزمة، والتعافي منها، والمحافظة على استمرارية العمليات.
الحاجة إلى استقطاب تخصصات نوعية
في ظل هذه المتغيرات، تبرز الحاجة إلى التركيز على استقطاب المتخصصين في إدارة الأزمات والكوارث البحرية، والأمن والسلامة البحرية، إلى جانب إدارة العمليات وسلاسل الإمداد واللوجستيات.
فالمؤسسات البحرية واللوجستية تحتاج إلى متخصصين يمتلكون القدرة على قراءة المخاطر، وبناء السيناريوهات، وإدارة الطوارئ، وتنسيق عمليات الاستجابة والإنقاذ، وتقييم البدائل عند تعطل الموانئ أو المسارات البحرية، واتخاذ القرارات السريعة في البيئات عالية الخطورة.
كما أن التكامل بين هذه التخصصات يخلق قيمة استراتيجية؛ لأن إدارة الأزمة الحديثة لا تتوقف عند احتواء الحادث، وإنما تمتد إلى حماية الأرواح، وتقليل الخسائر، واستعادة العمليات، وضمان استمرار تدفق الإمدادات.
ومن واقع الخبرة العملية في الأمن والسلامة والعمليات في بيئات صناعية وبحرية عالية الحساسية، إلى جانب التخصص الأكاديمي في إدارة الأزمات والكوارث وإدارة العمليات وسلاسل الإمداد واللوجستيات، يتضح أن المرحلة المقبلة تتطلب قيادات تجمع بين المعرفة النظرية والخبرة الميدانية، وتستطيع الربط بين المخاطر الأمنية والتشغيلية وتأثيرها على استمرارية الأعمال.
المرونة هي معيار الجاهزية
أصبحت مرونة سلاسل الإمداد (Supply Chain Resilience) من أهم عناصر القدرة على مواجهة الأزمات.
فالمرونة تعني وجود بدائل للموانئ والمسارات والخدمات، ومعلومات موثوقة لاتخاذ القرار، وفرق متكاملة تستطيع العمل تحت الضغط، وخطط واضحة للاستجابة والتعافي.
وهنا لا يكون السؤال: هل ستحدث الأزمة؟ وإنما: هل نحن مستعدون عندما تحدث؟
المملكة والمرحلة المقبلة
تمتلك المملكة مقومات بحرية ولوجستية واقتصادية كبيرة، ومع توسع قطاع النقل والخدمات اللوجستية، فإن الاستثمار في التخصصات المرتبطة بإدارة الأزمات والكوارث البحرية والأمن والسلامة يجب أن يواكب الاستثمار في الموانئ والسفن والتقنيات.
فالجاهزية الحقيقية لا تُبنى بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالإنسان المؤهل، والقيادة القادرة على اتخاذ القرار، والفرق التي تجمع بين الأمن والسلامة وإدارة الأزمات والعمليات وسلاسل الإمداد.
إن الحوادث البحرية تذكرنا بأن وراء كل عملية بحرية أرواحًا ومسؤوليات، وأن حماية الإنسان يجب أن تظل الأولوية.
وفي عالم تتغير فيه المخاطر بسرعة، ستزداد الحاجة إلى متخصصين يستطيعون قراءة الخطر قبل وقوعه، وإدارة الأزمة أثناء وقوعها، وضمان استمرارية العمليات بعد انتهائها.
لذلك فإن التركيز على استقطاب المتخصصين في إدارة الأزمات والكوارث البحرية والأمن والسلامة البحرية، إلى جانب تخصصات العمليات وسلاسل الإمداد واللوجستيات، لم يعد خيارًا وظيفيًا، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في الجاهزية والمرونة التشغيلية والأمن الاقتصادي وحماية الأرواح.
فالمستقبل ليس لمن يملك أكبر الأساطيل فقط، وإنما لمن يملك القدرة على حماية الإنسان، واستباق المخاطر، وإدارة الأزمات، والحفاظ على استمرارية الإمداد مهما تغيرت الظروف.
بقلم / د. أيمن آل محرق الهاشمي دكتوراه في إدارة العمليات وسلاسل الإمداد ماجستير إدارة الأزمات والكوارث – جامعة الملك عبدالعزيز
النافذة اللوجستية








