
محمد المعـيبد -استشاري وخبير في مجالات القيادة وسلاسل الامداد والاستدامة
بعد الحرب العالمية الثانية وظهور النفط والثورة الصناعية، بدأت الدول تتنافس على عمليات الإنتاج دون النظر إلى ما يترتب عليه من استهلاك كبير للموارد الطبيعية أو ما ينتج عنه من تلوث للبيئة وإفساد لها أو الهدر لإنتاج كميات أكبر من الحاجة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى زيادة العدد السكاني بحيث أصبح استهلاكنا للموارد الطبيعة أكثر من قدرة الأرض على تجديد مواردها الطبيعية فأصبح لدينا استهلاك متزايد يقابله موارد محدودة، وفي عام 1972م نشر نادري روما ورقة علمية مثيرة للجدل كتبتها العالمة الأمريكية في مجال البيئة دونيلا ميدوز وآخرون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بعنوان الحدود إلى النمو “Limits to Growth” حيث استخدم الفريق الكمبيوتر محاكاة لتأثير النمو الاقتصادي والسكاني المستمر على المحيط الحيوي، وأظهرت النتائج التي توصلوا إليها أن كفاية الموارد الطبيعية لسكان الأرض لا يمكن أن تصمد لأكثر من عام 2100م دون التعرض لانهيار لا رجعة فيه لتكون بعدها الموارد أقل من العدد السكاني مما يعني أنه ستكون هناك حروب بين الدول للحصول على الموارد الطبيعية.
وظهر مصطلح التنمية المستدامة من قبل الأمم المتحدة في عام 1987م عبر تقرير لجنة برانتلاند “Brundtland Commission” والذي بعنوان مستقبلنا المشترك “Our Common Future”، وتم فيه تعريف الاستدامة أو التنمية المستدامة: بأنها القدرة على تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.
وترتكز الاستدامة على ثلاث أركان رئيسية هي:-
- الجانب الاقتصادي / تعزيز الاقتصاد من خلال تقليل الاستهلاك وحوكمة الأعمال بحيث لا يكون تحقيق الأرباح فقط بزيادة الإنتاج على حساب الجانب البيئي أو الاجتماعي.
- الجانب البيئي / تقليل استنزاف الموارد البيئية من خلال تنميتها والمحافظة عليها والاعتدال في استهلاكها.
- الجانب الاجتماعي / تحسين مستوى الافراد من الناحية المعيشية والصحية والتعليم والإنصاف والمساواة بين أفراد المجتمع.
ولاشك بأن الاستدامة تقوم على مبادئ أساسية نص عليها ديننا الحنيف ولنستعرض معاً أمثلة لها :-
- استدامة الموارد من خلال الاعتدال في استهلاكها وعدم التبذير:-
قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ، قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).
- استدامة الموارد من خلال المحافظة عليها وتنميتها وعدم إفسادها :-
قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها)، وقوله صلى الله عليه وسلم (لَا يغْرِس مُسلِم غرْساً، وَلاَ يزْرعُ زرْعاً، فيأْكُل مِنْه إِنْسانٌ وَلا دابَّةٌ وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ كَانَتْ لَه صَدَقَةً)، وفي الحديث أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ : مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ).
- الاستدامة الاجتماعية بأهمية العدل والمساواة وعدم التمييز :-
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى).
- الاستدامة الاجتماعية بأهمية الاعتناء بالتعليم والصحة :-
قال تعالى (هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ)، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ)، وقال صلى الله عليه وسلم (ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه).
- المسؤولية الاجتماعية بأهمية التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر :-
لا يخفى أن الله سبحانه فرض الزكاة وحث على الصدقة في أكثر من موضع منها قوله تعالى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، وقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، وقوله تعالى (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (الصَّدقةُ تُطْفِئُ الخطيئةَ كما يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ)، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
ختاماً فإن الاستدامة أو التنمية المستدامة من أهم المواضيع المتداولة اليوم وهي من المرتكزات الرئيسية في رؤية السعودية 2030، ولذلك من المهم أن نتعرف جميعاً عليها وما هو دورنا اتجاهها وربطها بمنهجنا الإسلامي الحنيف لتعزيز أهمية الاستدامة في حياتنا لأنها مسؤولية الجميع لجودة حياة أفضل في الدنيا ومثوبة وأجر في الآخرة.